الاثنين، 1 نوفمبر 2010

فقراء في بلدي الغني ..!

إيــــاد عبدالحي
الفقر والمرض والجهل، ثالوث المشكلات الإنسانية الكبرى، والفقر وحده مصدر لكل المشكلات.. يضرب الفقر الفرد فلا يقوى على مواصلة التعليم، ويضربه أكثر فتحتل الأمراض جسده ونفسه..! البعض منا يولد فقيرا، هكذا بالوراثة، والبعض ينزل سلم الفقر على طريقة (تاتي.. حبة حبة)، أما البعض الآخر فيسقط كمن حطه السيل من عل..!، والمشكلة لا تكمن في الفقر كجوع أو حاجة أو برد فحسب، بل إنها تتخطى ذلك لتصل إلى حيث نتائج تفشي هذه المعضلة من جرائم وانحرافات وتساقط للقيم وانحلال للمبادئ وتفتيت للبُنى الإنسانية وتصلب في كل عجلات التنمية وتهالك في القوى البشرية وضمور للنفوس ووأد لكل شمس كانت تنتظر لحظة إشراق. وأسرة تحرير (شبابيك) وبعد إعادة صياغة أهدافها وترتيب أوراقها قررت فتح الملفات وإلقاء الضوء على القضايا وتقليب الأوراق وفتح كل النوافذ ليتسلل النور ويتجدد الهواء.


وقع في الواقع
*هاتفتني في ساعة متأخرة من الليل، لم أعرفها، ولم أتذكر اسمها إلا بعدما ذكرتني برفقتها لي أيام الجامعة. كان ذلك قبل تسع سنوات، أنا الآن مُحاضرة في ذات الجامعة، وأذكر أنها تركتها ولم تكمل دراستها بعد أن تقدم لها عريس. قالت لي إنها تريد مقابلتي لأمر هام ولم تفصح عنه، في ضحوية اليوم الثاني رن جرس المنزل، ففتحت الباب فإذا بشبح امرأة، هيكل ملامحها هي ما تبقى منها، بدت شاحبة شديدة الهزال، فضيفتها، وحكت لي قصتها..!
تزوجت، فتركت الدراسة بناء على طلب من زوجها التاجر، وأنجبت منه خمسة أطفال، ودارت الأيام بهم ففقد الزوج كل ما يملك، وألقته الديون في الجهة الأخرى من الحياة.. خلف القضبان..! ختمت قصتها بأن قالت لي: الفقر ليس بجديد عليَ، فأنا في الأصل فقيرة، وما أسهل أن أتحمل الجوع، ولكن ما لا أطيقه جوع أطفالي الخمسة، بكت وهي تقول: صرنا نأكل الخبز الناشف يا صديقتي..! فأعطيتها المقسوم ووعدتها بخير مع إطلالة كل شهر، ولكنها لم تعد بعد ذلك، وكلي يقين بأن عفتها هي المانع ولا غير ..!


*أنا مرشد اجتماعي في إحدى المدارس الثانوية، جاءني أحد الطلاب يوما وطلب مني ألف ريال. في الحقيقة فاجأني بطلبه، فسألته عن السبب، فقال إنه بصدد شراء سيارة بخمسة آلاف ريال وتنقصه الألف الأخيرة. فسألته عن حاجته لها؟ فقال لي: أبي قد أقعده المرض، ولي اخوة أصغر مني وأم، والله أعلم بكيفية جمعي للأربعة آلاف التي في جيبي، ومن ثم أخرجها ووضعها على الطاولة وبكى، واسترسل قائلا: يا أستاذي، الثلاجة خاوية، وثيابنا ما عادت تتحمل نظرات الاشمئزاز، بدأت أحس أني أعيش في صحراء قاحلة، لا في بيت..! قد تساعدني السيارة في الصرف على المنزل بالـ(التتكيس). ثم يتابع المرشد الطلابي: في ذات المساء كنت في (ثلوثية) مع الأصدقاء، وكان أحدهم يتحدث عن نيته لشراء سيارة تتجاوز قيمتها الربع مليون ريال..! وحين نصحه أحدهم بأن يتمهل معللا ذلك بأن موديل السيارة لم يبق عليه إلا خمسة أشهر، رد عليه متفاخرا: (ومن ذا الذي سيصبر على سيارة لهذه المدة)..؟! وقتها تذكرت الطالب الفقير ورددت بيني وبين نفسي: ياللمفارقة..!

*تعودنا في كلية البنات على قيام الإدارة بجولات تفتيشية مفاجئة على حقائبنا للحد من جلب ما يُخالف أنظمة الكلية كجوالات الكاميرا مثلا، وفي يوم من الأيام وبعد إحدى المحاضرات دخلت علينا لجنة التفتيش وطلبت من كل واحدة منا وضع حقيبتها على الطاولة، فانصعن للأمر كالعادة، إلا أن إحدى البنات رفضت ذلك وبشدة، فأصرت المشرفة على أخذ الحقيبة منها، إلا أن الطالبة هددت بضربها إن اقتربت منها، وبعد شد وجذب توصل كل الأطراف إلى أن تقوم الطالبة بتسليم حقيبتها لعميدة الكلية وفي مكتبها الخاص تحديدا..! وفعلا أوصلوا الفتاة للعميدة التي أخلت المكتب تماما مبقية على الطالبة ورئيسة لجنة التفتيش فقط، وفتحت الحقيبة وكانت المفاجأة..! فقد وجدت بقايا طعام الطالبات من بسكويت وكيك وسندويتشات..! قالت الطالبة: (يا أستاذة ليس لدينا ما نأكله في المنزل أنا وأخواتي الصغار وأمي الأرملة).. وقتها انهمرت الدموع من ثلاثتهن..!

*معلم في ثانوية يحكي: في يوم من أيام الدراسة، وفي الفسحة تحديدا، سمعنا صوت الطلاب يصرخون ويطلبون النجدة، فهرعنا إلى حيث هم، فوجدنا طالبا ممددا على الأرض وقد فقد وعيه، فحملناه إلى غرفة الإدارة على الفور واتصلنا على الهلال الأحمر، وفي دقائق الانتظار أفاق الطالب من غيبوبته، فقلت له : ما بك يا بُني؟ مم تعاني؟ هل أنت مصاب بالسكر؟ أم بالضغط؟ أم ماذا؟ فتحركت شفتاه بما لم نسمع، فقربت أذني منه أكثر وأكثر، فتحرك لسانه وقال ما عقد كل جوارحي..! وامصيبتاه يا بُني..! ألهذه الدرجة؟ أتعلمون مما كان يعاني الطالب وماذا كان يقول؟ كان يقول: إني جائع.. لقد انهارت قوى المسكين من الجوع والفقر.


وجهات نظر:
طرحت أسرة تحرير (شبابيك) سؤالها عن سبب تفشي الفقر بشكل أضحى ملحوظا ومرهقا لكل ذي حس وطني، فكانت الإجابات:

*أبو معاذ استهل حديثه بعبارة: إن في البُعد عن الله سبحانه وتعالى العلة الأم لهذه (المصيبة) على حد وصفه، ثم اتبع كلامه بالآية (قلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يُرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا )، ثم أردف: يا أخي ما عدنا نستغفر، بل ونزيد ونعصي ليل نهار، فكيف ننتظر الرزق..؟
*عبداللطيف الصماني قال: إننا لم نكن نلحظ المشكلة يوم كنا في القرية، فقد كان الكل متكاتفا متعاونا ولا يُمكن أن نترك أسرة تبيت دون عشاء، أما الآن في المدينة، فإن الحواجز علت بين الجميع، ولا أقصد الحواجز الاسمنتية فحسب، فالأمر وصل إلى أن الجار لا يعرف جاره..!
*أم محمد ذكرت أن التعليم العام والعالي له دور كبير في تفاقم الأزمة، إذ أن التعليم لا يؤهل أبناءنا لمجابهة الأيام وخطوبها بحرفة قد تكون بابا للرزق إن سُدت كل الأبواب.
*أما فيصل فقد أبرز جانبا آخر غير ما قيل حين قال: إن من أهم أسباب بروز الفقر في مجتمعنا الغلاء المعيشي، فما كان يصرفه رب الأسرة لتغطية وتأمين جميع جوانب الحياة له ولزوجته ولأبنائه، لم يعد كافيا الآن لتغطية إيجار المنزل الذي يعيشون فيه..!
*أحمد الخالد قال: بصراحة أنا لم أصادف في حياتي (سعودي) فقيرا، ثم استدرك قائلا: أعتقد أننا ما زلنا بخير.
*فريد أبوالليل أرجع دبيب الفقر في الأسر إلى ترفع أبنائها الشباب عن المهن الحرفية، وقال: كان من آبائنا وأجدادنا الراعي والحطاب والخباز والبناء، فعاشوا مستورين بالحلال إلى أن ماتوا، أما شباب اليوم فباتوا ينظرون للحرفة بترفع وفوقية، مع أن الخير وكل الخير فيها.
*أما البتول فقالت لصفحة شبابيك: بعض الأجانب يأتون إلى البلد ويكونون مُعدمين ماديا، وبعد سنوات تجدهم قد اجتازوا ذوي الدخل المتوسط من أبناء البلد، بل ربما يُغادرون البلاد في طائرات خاصة..! لا لأمر إلا لأنهم عرفوا أي الأبواب تُطرق، وأيها تكتنز خلفه الأرزاق، فمارسوا كل المهن والحرف بلا استحياء أو استعلاء.
*سامي كتوعة جعل من اتكالية الأبناء على آبائهم سببا لتحول الحال من يُسر لعُسر ومن فرج لضيق ومن غنى لفقر، فقال إن الأبناء للأسف الشديد باتوا معتمدين وبشكل كامل على آبائهم، وبمجرد رحيل الأب للدار الأخرى تجد الابن قد تاه وغرق تدريجيا في رمال الفقر المتحركة.

أما على صعيد نتاج الفقر وما يسببه على صعيد الفرد والمجتمع فقد توصلت أسرة تحرير (شبابيك) إلى عدد من الآراء نسوق منها:
*الشاب عبدالله صابر قال: بصراحة القضية هامة للغاية، ولابد من مناقشتها ومعرفة مسبباتها، وكذلك لابُد من التركيز على الجانب الآخر منها المتعلق بنتائجها. ثم تابع: أنا أعتقد أن بين الفقر والجريمة علاقة طردية، فكلما زاد محيط الفقر كلما اتسعت دائرة الجريمة.
*وعند سؤال أحمد حسن عن ذلك كانت إجابته: الناس ليسوا على درجة واحدة فيما يتعلق بالوازع الديني، فكما أن البعض يتحلى بوازع ديني صلب، فالبعض الآخر هش لدرجة الانكسار أمام حاجاته الحياتية المُلحة والتي قد ينحرف كي يلبيها لنفسه.
*ثامر الصاعدي كانت له وجهة نظر جديرة بالعرض جمعت بين السبب والنتيجة حين قال: أنا أرى أن اختلاف الطبقات الاجتماعية وتداخلها في المدينة عبر المدارس والجامعات والتجمعات السكنية أظهر الفوارق التي كانت مخفية في الزمن السابق، مما ولد الكثير من الممارسات المنحرفة من الأقل للوصول إلى مستوى من هم أعلى منهم، ثم أضاف: للأسف قل الرضى وانعدمت القناعة عند الكثيرين فانحرفت السلوكيات.
*أما سمير العولقي فقد ربط بين الفقر وبين المرض فقال: إن شريحة كبيرة من الفقراء تنهش الأمراض تكتلاتهم، بسبب سوء التغذية، وعدم الوقاية، وسوء الظروف المعيشية، إلى جانب أن الكثير منهم يقطنون مناطق الظل حيث اللا وعي الصحي ولا الثقافة الوقائية.
*أمل العوضي نظرت للموضوع من زاوية منفرجة كانت ترى من خلالها المجتمع ومعاناته مع دبيب الفقر في أوصاله، فوضحت أن اتساع دائرة الفقر وتضخم عدد من هم تحت خطه سيبطئ عجلة التنمية للبلاد لا محالة، وسيهدر الكثير من الجهود لا لمقاومة الفقر فحسب، بل لمكافحة نتائجه من أمراض وجرائم وجهل.


*ويكيبيديا..ويوم الفقر العالمي..!
عرف البنك الدولي الدول منخفضة الدخل أي الفقيرة بأنها تلك الدول التي ينخفض فيها دخل الفرد عن 600 دولار، وعددها 45 دولة معظمها في أفريقيا، منها 15 دولة يقل فيها متوسط دخل الفرد عن 300 دولار سنويا. برنامج الإنماء للأمم المتحدة يضيف معايير أخرى تعبر مباشرة عن مستوى رفاهية الإنسان ونوعية الحياة، وفي هذا دليل على اتساع دائرة الفقر بمفهوم نوعية الحياة لتضم داخلها 70 دولة من دول العالم، أي أن هناك 45% من الفقراء يعيشون في مجتمعات غير منخفضة الدخل، وذلك يعني أن هناك فقراء في بلاد الأغنياء، ويكفي هنا أن نذكر أن 30 مليون فرد يعيشون تحـت خط الفقـر في الولايات المتحدة الأمريكية، أي بما يعادل15% من السكـان. وقد تم تحديد يوم 17-19 أكتوبر من عام 2008م، كيوم عالمي للفقر من قبل هيئة الأمم المتحدة للتذكير بالقضية ودعم توجه مكافحتها، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: من للفقير بقية أيام السنة..؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق