إياد فؤاد عبدالحي - وترحل..!
14- نوفمبر- 2209
@ غفوت ذات حين كما غفوات (الرافعي)، فذهبت لعام ألفين وستين ميلادياً، أي بعد نصف قرن من الآن، فوجدتني أمام (هالة) من الضوء في الفراغ قد تبلورت أجزاءها وتجمعت فعرضت مباراة كرة قدم بين فريقين اكتسى لاعبو الأول بالسواد وأما الفريق الآخر فقد خرج عن ما رأت عيني من ألوان هذا الزمان.
@ حافظ الزي على نمطه، فلم يخرج عن الشورت والتي شيرت، إلا أنه كان ضيقاً لدرجة توحي للرائي بأنه قد طُبع على أجساد اللاعبين..!
@ أرضية الملعب لم تعد مستطيلاً أخضر، بل تحولت للون الأحمر (المطفي)..! ولم يكن هناك وجود للدائرة أو أي خط من خطوط الملعب، بل تحولت كلها إلى حزم ضوئية لا تظهر إلا مع اقتراب الكرة منها..!
@ لم يكن للحكم وجود..! ولا وجود بالطبع لحكام الراية أيضاً..! كانت الصافرة تنطلق مع كل مخالفة أو خطأ، وكان الخطأ (يا دوب) يحدث..!
@ ومع أي تجاوز لحدود الملعب الليزيرية كانت الكرة تتوقف (تلقائياً)، وتتوقف معها ساعة الملعب، التي تبدأ تلقائياً مع تدحرج الكرة من جديد..!
@ يبدوا أنهم ألغوا رمية التماس..! فقد كانت الكرة تلعب بالقدم كضربة حرة مباشرة..!
@ ومما لفت انتباهي أيضاً عدم وجود الجماهير..! بل لم يكن للمدرج وجود أصلاً..! وحين سألت من بجواري قال لي: الكل يُتابع الآن من على (الهالة) -ويقصد ذات الهالة الضوئية التي وجدت نفسي أمامها- وحين سألته عن السبب..؟ قال لي دور المُشجع اندثر مُذ سنين، فقد أضحت كرة القدم الآن (بيزنيس) ولا وجود للانتماء فيها..! تحول الأمر بكامله للعبة مراهنات تتجاوز قيمة المبالغ المطروحة في مباراة واحدة المليار (شودو)..!
@ و(الشودو) أصبح عُملة موحدة لكل من سكن الأرض في ذلك الحين..!
@ وماذا عن شحذ همة اللاعبين..؟ والتشجيع وبث الحماس في أوصالهم..؟ فقال لي: القوانين تغيرت الآن يا عزيزي..! فالدافع أضحى مادياً (خالصاً)، إذ لم يعد اللاعب يتقاضى مُرتباً شهرياً، بل يكون التوقيع للنادي على مبلغ مالي ضخم يوضع في حسابه، يتزايد مع كل انتصار للفريق، ويتناقص مع كل خسارة..! وليس هذا فحسب، بل يتزايد ويتناقص مع كل تمريرة صائبة أو خاطئة، ومع كل هدف ومع كل خطأ، بل إن بعضاً من الدول المتقدمة باتت تحسب عدد الأمتار الإيجابية وكذا السلبية المقطوعة، فيزيد رصيد اللاعب مع كل تحرك إيجابي، وينقص إن تحرك في الاتجاه الخطأ..! ولك أن تتخيل كيف سيكون حال اللاعب إن تحرك رصيده بحركة قدميه..! أعتقد أنه لا يحتاج أبداً لمن يهتف له..!
@ تساءلت في نفسي: أين أنت يا قرني..؟ وماذا فعلت بك الأيام يا حريقة..!!
@ ثم عدت للمباراة فوجدت دقائقها قد تجاوزت (المئة)..! فسألته: أهي مباراة كأس ونحن في الوقت الضائع منها..! فضحك..! وقال لي: عن أي حقبة تتحدث..؟ لا وجود للأشواط الإضافية الآن ولا وجود للكؤوس أصلاً..! لقد تحول الأمر إلى (تجارة)، فأصبحت كل المباريات مقسمة لأربعة أشواط، ومدة كل شوط نصف ساعة. وفي حالة تعادل الفريقين في الرصيد..
@ قاطعته: تقصد الأهداف..؟ فقال لي: كلا..! النتيجة الآن تعتمد على الأداء لا الأهداف، فليس من العدل أن يخسر أحدهم كل ما يملك بسبب غلطة (حارس) أو غباء مدافع..! في وقتنا هذا نحتكم لأرصدة اللاعبين النهائي بعد المباراة، فيكون الفريق صاحب الرصيد الأعلى هو الفائز، وبالطبع تظل للأهداف نسبة في ذلك.
@ امتعضت مما سمعت، بصراحة أحسست بقرف أوصلني لحد الغثيان..! تمتمت: كم أساؤوا لك يا كرة، كم شوهوك..! صنعوا من جلدتك حقائب للنقود، واستبدلوا المشجعين بكومة من الصرافين، تحولت اللعبة إلى بيزنيس، والهجمة لصفقة، والمرتدة لهبوط حاد في الرصيد..!
@ نظرت في من حولي، وما أتعس المشهد..! مئات المتابعين، وأمام كل متابع شاشة كل ما فيها أرقام..! تتغير مع كل (باص) و(تمريرة) و(أوفر)..! تساءلت عن الأرجيلة وبراد الشاهي والمكسرات..؟ ولم يكن للأعلام والشعارات وجود، فقد حلت محلها الأوراق والمستندات والشيكات..!
@ فجأة.. تذكرت المعلق..! لم يكن حاضراً..! كان الصوت لمحلل اقتصادي وكل الحديث عن الأرقام، حتى اللاعبين كان تعريفهم بالأرقام..! بكيت على (فارس عوض)..! أو كما أسميته في زماننا ذاك (صوت الفضاء)..! نعم لقد كان صوتاً للفضاء وصوت الأرض طلال..!
@ طلال مداح.. آه..! وترحل.. صرختي.. تذبل.. في وادي لا صدى يوصل.. ولا باقي (أنين)..!
كاتب بصحيفة الرياضي...،
14- نوفمبر- 2209
@ غفوت ذات حين كما غفوات (الرافعي)، فذهبت لعام ألفين وستين ميلادياً، أي بعد نصف قرن من الآن، فوجدتني أمام (هالة) من الضوء في الفراغ قد تبلورت أجزاءها وتجمعت فعرضت مباراة كرة قدم بين فريقين اكتسى لاعبو الأول بالسواد وأما الفريق الآخر فقد خرج عن ما رأت عيني من ألوان هذا الزمان.
@ حافظ الزي على نمطه، فلم يخرج عن الشورت والتي شيرت، إلا أنه كان ضيقاً لدرجة توحي للرائي بأنه قد طُبع على أجساد اللاعبين..!
@ أرضية الملعب لم تعد مستطيلاً أخضر، بل تحولت للون الأحمر (المطفي)..! ولم يكن هناك وجود للدائرة أو أي خط من خطوط الملعب، بل تحولت كلها إلى حزم ضوئية لا تظهر إلا مع اقتراب الكرة منها..!
@ لم يكن للحكم وجود..! ولا وجود بالطبع لحكام الراية أيضاً..! كانت الصافرة تنطلق مع كل مخالفة أو خطأ، وكان الخطأ (يا دوب) يحدث..!
@ ومع أي تجاوز لحدود الملعب الليزيرية كانت الكرة تتوقف (تلقائياً)، وتتوقف معها ساعة الملعب، التي تبدأ تلقائياً مع تدحرج الكرة من جديد..!
@ يبدوا أنهم ألغوا رمية التماس..! فقد كانت الكرة تلعب بالقدم كضربة حرة مباشرة..!
@ ومما لفت انتباهي أيضاً عدم وجود الجماهير..! بل لم يكن للمدرج وجود أصلاً..! وحين سألت من بجواري قال لي: الكل يُتابع الآن من على (الهالة) -ويقصد ذات الهالة الضوئية التي وجدت نفسي أمامها- وحين سألته عن السبب..؟ قال لي دور المُشجع اندثر مُذ سنين، فقد أضحت كرة القدم الآن (بيزنيس) ولا وجود للانتماء فيها..! تحول الأمر بكامله للعبة مراهنات تتجاوز قيمة المبالغ المطروحة في مباراة واحدة المليار (شودو)..!
@ و(الشودو) أصبح عُملة موحدة لكل من سكن الأرض في ذلك الحين..!
@ وماذا عن شحذ همة اللاعبين..؟ والتشجيع وبث الحماس في أوصالهم..؟ فقال لي: القوانين تغيرت الآن يا عزيزي..! فالدافع أضحى مادياً (خالصاً)، إذ لم يعد اللاعب يتقاضى مُرتباً شهرياً، بل يكون التوقيع للنادي على مبلغ مالي ضخم يوضع في حسابه، يتزايد مع كل انتصار للفريق، ويتناقص مع كل خسارة..! وليس هذا فحسب، بل يتزايد ويتناقص مع كل تمريرة صائبة أو خاطئة، ومع كل هدف ومع كل خطأ، بل إن بعضاً من الدول المتقدمة باتت تحسب عدد الأمتار الإيجابية وكذا السلبية المقطوعة، فيزيد رصيد اللاعب مع كل تحرك إيجابي، وينقص إن تحرك في الاتجاه الخطأ..! ولك أن تتخيل كيف سيكون حال اللاعب إن تحرك رصيده بحركة قدميه..! أعتقد أنه لا يحتاج أبداً لمن يهتف له..!
@ تساءلت في نفسي: أين أنت يا قرني..؟ وماذا فعلت بك الأيام يا حريقة..!!
@ ثم عدت للمباراة فوجدت دقائقها قد تجاوزت (المئة)..! فسألته: أهي مباراة كأس ونحن في الوقت الضائع منها..! فضحك..! وقال لي: عن أي حقبة تتحدث..؟ لا وجود للأشواط الإضافية الآن ولا وجود للكؤوس أصلاً..! لقد تحول الأمر إلى (تجارة)، فأصبحت كل المباريات مقسمة لأربعة أشواط، ومدة كل شوط نصف ساعة. وفي حالة تعادل الفريقين في الرصيد..
@ قاطعته: تقصد الأهداف..؟ فقال لي: كلا..! النتيجة الآن تعتمد على الأداء لا الأهداف، فليس من العدل أن يخسر أحدهم كل ما يملك بسبب غلطة (حارس) أو غباء مدافع..! في وقتنا هذا نحتكم لأرصدة اللاعبين النهائي بعد المباراة، فيكون الفريق صاحب الرصيد الأعلى هو الفائز، وبالطبع تظل للأهداف نسبة في ذلك.
@ امتعضت مما سمعت، بصراحة أحسست بقرف أوصلني لحد الغثيان..! تمتمت: كم أساؤوا لك يا كرة، كم شوهوك..! صنعوا من جلدتك حقائب للنقود، واستبدلوا المشجعين بكومة من الصرافين، تحولت اللعبة إلى بيزنيس، والهجمة لصفقة، والمرتدة لهبوط حاد في الرصيد..!
@ نظرت في من حولي، وما أتعس المشهد..! مئات المتابعين، وأمام كل متابع شاشة كل ما فيها أرقام..! تتغير مع كل (باص) و(تمريرة) و(أوفر)..! تساءلت عن الأرجيلة وبراد الشاهي والمكسرات..؟ ولم يكن للأعلام والشعارات وجود، فقد حلت محلها الأوراق والمستندات والشيكات..!
@ فجأة.. تذكرت المعلق..! لم يكن حاضراً..! كان الصوت لمحلل اقتصادي وكل الحديث عن الأرقام، حتى اللاعبين كان تعريفهم بالأرقام..! بكيت على (فارس عوض)..! أو كما أسميته في زماننا ذاك (صوت الفضاء)..! نعم لقد كان صوتاً للفضاء وصوت الأرض طلال..!
@ طلال مداح.. آه..! وترحل.. صرختي.. تذبل.. في وادي لا صدى يوصل.. ولا باقي (أنين)..!
كاتب بصحيفة الرياضي...،
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق